حسن حنفي

249

من العقيدة إلى الثورة

وكما تسلب الصفات المطلقة الانسان حريته وتحيله إلى أقل من انسان لا فعل له ولا خيرة له من أمره . لم يكن الانسان هو نفسه بل كان مرة أقل من انسان ومرة أخرى أكثر من انسان . وبالرغم من كل محاولات الفكر العلمي الّذي يقوم على طبائع الأشياء ، والفكر الانساني الّذي يقوم على اثبات الحرية الانسانية وفعل الأصلح فان القدرة المعظمة تفرض نفسها من خلال عواطف التأليه وتمثل شبح السلطة الرهيب . فكما أن العلم المطلق لا يغيب عنه شيء فكذلك القدرة المطلقة لا يند عنها شيء . وإذا كان شبح العلم المطلق يظهر في الحياة الانسانية في صورة المخابرات العامة فان القدرة المطلقة تظهر في صورة الدكتاتور الّذي يفعل كل شيء والّذي يمتد سلطانه على كل صغيرة وكبيرة « 486 » . ويكون الموقف الشعورى الّذي يرفض الدخول في أمثال هذه التمرينات العقلية للتعبير عن عواطف التأليه وهو الموقف الّذي يرفض النفي والاثبات والحلول الوسط ، ويتوقف عن الحكم ، ويلغى المشكلة التي يقدمها العقل طوعا للشعور « 487 » . وبالرغم من أن التوقف عن الحكم لا يعطى الأسباب خوفا من الدخول في المتاهات العقلية التي يرفضها فإنه أسلم المواقف الشعورية وأكثرها أمانة . يكفى بعدها تحليل المتاهات العقلية وبيان دورها كتمرينات يقدمها العقل للشعور دون أن يشير إلى أي موضوع خارجي .

--> ( 486 ) أنظر مثلا ما يثيره هذا النص « ليس له منازع ولا نديد ، فعال لما يريد . . . لم يزل بصفاته قديرا . . . ولم يلحقه في خلقه شيء مما يخلق كلا ولا نصب ، ولامسه لغوب ولا نصب . خلق الأشياء بقدرته ، ودبرها بمشيئته ، وقهرها بجبروته ، وذلها بعزته ، فذل لعظمته المتجبرون ، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون ، وانقطع دون الرسوخ في علمه الممترون ، وذلك له الرقاب ، وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب ، وقامت بكلمته السماوات السبع ، واستقرت الأرض إلها ، وثبتت الجبال الرواسي ، وجرت الرياح اللواقح ، وسار في السماء والسحاب ، وقامت على حدودها البحار ، وهو إله قاهر يخضع له المتعززون ، ويخشع له المترفعون ، ويدين طوعا وكرها له العالمون » ، الإبانة ص 4 ، ملك قادر ، الانصاف ص 29 ، في قدرة الله ومقدوراته أجمع أصحابنا على أن لله قدرة واحدة يقدر بها جميع المقدورات ، الأصول ص 93 . ( 487 ) يرفض البعض الاثبات والنفي معا ويتوقف في الحكم .